الشريف المرتضى
392
الذخيرة في علم الكلام
وبعد ، فان فرضنا أن رؤية هذا الحامل غير واجبة ، فلا بدّ من أن يكون ما يحمله وينقله مرئيا متميزا ، والا لم يفرق بين حضوره وغيبته . وما هذه حاله لا يخفى على الحاضرين حاله ، ولا بدّ من أن يدركوه ويفطنوا بحاله ويتنبهوا على وجه الجملة فيه . ويلحق هذا الوجه بالأول في مساواة الجن والبشر في الاعتبار عليهم والامتحان ، ولهذا نجد كثيرا من المشعبذين وأصحاب الحقة يستترون جسما ويظهرون آخر ، ويبدلون ميتا بحيّ وصغيرا بكبيره . وإذا اعتبر عليهم المحصّلون ظهروا على مظان حيلهم ووجوهها ، ولا بدّ في مدّعي النبوة من أن يأمن فيه ما جوّزناه في المشعبذ ، وليس يحصل الأمران إلا بصادق البحث وقوى الامتحان . ومما أجاب به القوم عن سؤال الجن : أن القرآن لو كان من فعل الجن لوافقت العرب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على ذلك ، ولقالت له : ليس في عجزنا عن مقابلتك دليل على نبوتك ، لأنه جائز أن يكون الجن ألقته أليك . وهذا من ضعيف التعلل ، لأنه ليس بواجب أن تعرف العرب هذا القدح ولا تهتدي إلى هذه الشبهة . وكم أورد المبطلون في القرآن من الشبهات التي لم تخطر للعرب ببال ، ولا رأينا أحدا من المتكلمين والمحصّلين جعل جواب هذه الشبهة أنها لو كانت صحيحة لواقف عليها العرب ، وانما تحيل على العرب وتوجب أن يواقفوا عليه فيما يختص بالفصاحة ، وما يجوز فيها من التقدم والتأخر وجهات التفاضل ، وما أشبه ذلك مما المرجع فيه إليهم والمعول عليهم . فأما في الشبهات التي لا يخطر مثلها ببالهم ولا يهتدون إلى البحث عنها ، فلا معنى للحوالة عليهم بها . ويقال لمن تعلق بهذه الطريقة : خبرنا لو واقفت العرب على ذلك وادّعت في القرآن أنه من فعل الجن ، أكان ذلك دالا على أنه من فعل الجن على